الثلاثاء، 12 يناير، 2010

رحلتي المأساوية مع مستشفى الرخاوي 1

في البداية أحب أن أعرف نفسي. أنا شاب مصري مسلم في منتصف عمري و قد أنشأت هذه المدونة لأعبر عن نفسي و عن ارائي و لأحكي ما رأيت في حياتي اذ ربما قد يستفيد أي شخص من قراءه ما سأكتب. اليوم أريد الكتابة عن موضوع دار المقطم للصحة النفسية المعروفة بأسم مستشفى د. يحي الرخاوي لأنها مملوكة له. لقد قرأت الكثير من المقالات التي قامت بالهجوم على هذه المصحة بدعوى انهم يقومون بتعذيب واغتصاب البنات المتنصرات داخل هذه المصحة و أنا ليس أي دخل بهذا الجدل لأنني لن أتحدث عن شيء لم تراه عيني. هذه هي قصتي مع مستشفى يحي الرخاوي.
أنا كنت نزيل في هذه المصحة عدة مرات نظرا لأنني أعاني من مشكلة الادمان. و كان أبي دائما معتقد بأن الحل في هذه المصحة فقط. و أنا ما سأفعله هو حكاية قصتي و كل ما بها من تجاوزات من قبل هذه المصحة و القائمين عليها بعينهم.
في البداية أود أن أذكر أنني لم أدخل هذه المستشفى مرة واحدة على قدمي. كنت دائما أأخذ بالعنف من سريري من قبل ما يسمى بقافلة الشحن. قافلة الشحن تكون عبارة عن سيارة أو ميكروباس محمل بثلاث أو أربع عمال(سعيد العمدة,مصطفى سلام,سيد أمين,تامر صلاح وغيرهم) و ممرض(رمضان عبدالعال أو حسن عبد النعيم) و دكتور(النوبطشي). أنا اسميهم قافلة الخطف. يقوم أهل المدمن بمكالمة المستشفى و طلب هذه القافلة لكي تأتي و تأخذ ابنهم أو بنتهم للعلاج في المستشفى رغما عنهم. فينتظروا لحين أن يكون المدمن نائما في بيته و تأتي هذه القافلة للهجوم عليه أو عليها أثناء استغراقهم في النوم. أنا ما حدث معي هو أنني أفقت على ركبة عامل فوق صدري واكتشفت أن كل طرف من أطرافي سواء أيدي أو أرجلي ممسوكة و بقوة. و قام الممرض بفرد احدى أذرعي و بحث عن عرق دم ظاهر ليعطيني حقنة. نمت في لحظات و عندما استيقذت وجدت نفسي في وحدة الرعاية ادمان في داخل المستشفى. بعد عدة سنين اكتشفت أن هذه الحقنة تدعى "ميديا سيتيك" وهو مخدر قوي من فصيلة البينزو.
في أول مرة عندما أفقت داخل قسم الرعاية ادمان ثرت وحاولت الخروج ولكنني اكتشفت أنني في سجن, جميع الشبابيك عليها حديد مدعم وهناك باب وحيد مغلق بمفتاح و مأمن جيدا. طلبت من العمال والممرض الموجودين باخراجي فورا لأنني مواطن مصري راشد ولا يحق لأي أحد احتجازي رغما عن ارادتي. قاموا بالضحك على كلامي و طلبوا مني الهدوء و فهموني أنني لن أخرج. هذا أثارني أكثر فقمت بالطخبيت على الباب والصراخ طالبا النجدة. فوجئت بهم يهجمون علي فقاومتهم ولكنهم تكاثروا علي و قام أحدهم بضربي بالروصية في رأسي و شالوني ووضعوني على سرير و قاموا بربطي في السرير. قاموا بربط كل يد و قدم في اللوح الخشب للسرير و قاموا بشد هذه الربطة كعقاب لي لما فعلته. بعدها قام الممرض بالاتصال بالدكتور النوبطشي و جاء ليعطيني عدة حقن و أنا مربوط و ذهبوا بعيدا. حينها جاءني بعض المدمنين النزلاء مثلي و قالوا لي أنه لا فائدة من أن أثور و أن أفعل ما فعلت لأنني لن أخرج من هنا, و كانوا لطفاء لأنهم ساعدوني على شرب الماء والسجائر لأن يدي كانت مربوطة. و حذروني من أن أشياء غريبة سوف تحدث الي نتيجة للحقن التي أعطوهالي (كولبكسول و اكوافيز). بعد قليل من الوقت اكتشفت أن لساني يتحرك تحركات تلقائية و لا أستطيع التحكم به و لا أستطيع التحدث. و أحسست بأن هناك تيار من الكهرباء يدخل في جسدي و كان مؤلم للغاية. كل هذا و أنا مربوط ولا أستطيع التحرك. بعدها طلبت أن أذهب الي الحمام و لكن العامل جاءني و معه علبة للتبول و فك احدى يدي و قمت بالتبول بيد واحدة وأنا نائم على ظهري في علبة قذرة. وبعدها قام بربط يدي مرة أخرى. و بعد عدة ساعات جاء ميعاد الأكل و فوجئت بالممرض يقوم بوضع صانية صفيح على بطني و يفك يدي اليمنى لكي اكل. طلبت بالحاح فك يدي الأخرى لكي أستطيع الأكل و لكن رفض. كان الأكل عبارة عن فول و عيش و قطعة مربى. مع أول لقمة حاولت أكلها قمت بالاستفراغ فورا لان لساني كان معووجا بسبب الحقنة التي تدعى كولبكسول.
لا أريد الدخول في منظري بعد أن استفرغت وأنا مربوط سأترككم تتخيلون احساسي بالاهانة و الذل.
في اليوم الثاني و بعد ليلة بها القليل من النوم قاموا بفكي من التربيط و حذروني جيدا بأنني لو حاولت فعل أي شيء مرة أخرى سيقوموا بربطي ثانية. ذهبت الى الحمام و اكتشفت أن الحمام له نصف باب فقط لانهم يريدوا أن يروا ما نفعله بداخل الحمام! لاحظت أنني لا أستطيع المشي كطبيعتي, فأنني كنت أمشي ببطء شديد و أن يدي اليسرى متخشبة و أن رقبتي ملووحة للأعلى وأن عيني تنظر للأعلى أيضا. عند خروجي من الحمام ذهبت الى أحد المدمنين مثلي و سألته عن ما يحدث بجسمي فقال لي : عادي عادي ده من الحقن اللي ادوهالك, هتفضل كدة يومين أو تلاتة و بعديها هتفك!!
بعدها جاءني أخصائي نفسي و سألني أسئلة كثيرة و أنا جلست أطلب منه اخراجي فورا و لكن كان رده : أنت هتعد معانا شوية. وكان يعرف عني الكثير من الأشياء التي اكتشفت لاحقا انه عرفها من أهلي. ثم بعدها بيوم أو اثنين أنزلوني قسم "د" بمرافقة عامل لحراستي ووجدت نفسي أدخل مكتب به على الأقل عشرة أشخاص اكتشفت بعدها أن هذا الذي يسمى ب "المرور" و يكون به رئيس وحدة الادمان و الأخصائيين و المعالجين. قاموا بسؤالي عدة أسئلة أخرى سريعة ثم طلبوا مني الخروج و أنا رفضت و طلبت اخراجي فورا من هذا المكان الغير ادمي و لكنهم قالوا: هنشوف الموضوع ده بعدين, و أعادوني الى قسم الرعاية مرة أخرى. كل هذا وأنا ما زال جسمي متخشب ولا أستطيع الحركة على طبيعتي.
مكثت في الرعاية ادمان حوالي شهر كامل. بعدها جلس معي معالج و قال لي : احنا هنشتغل مع بعض. رفضت و قلت له بأنني لا أريد التعامل مع أي منهم. فضحك وقال لي أنني شكلي تعبت من الرعاية وأنه سينزلني الى قسم اخر يدعى "مبنى ج". نزلت مبنى ج ووجدت ان به غرف و حمامات بأبواب عادية وستائر على الشبابيك و لكن الحديد لازال موجودا. ارتحت قليلا ووجدت بعض المدمنين مثلي ولكني وجدت المرضى النفسيين أيضا وكانوا لطفاء لا يطلبون شيئا سوى السجائر. حينها وبعد الحديث الى المدمنين الذين جاؤو الى المستشفى من قبل فهمت بأنني لن أخرج قبل عدة أشهر وأنني يجب أن أساير الدكاترة والمعالجين والأخصائيين لكي أسهل على نفسي الحياة في الداخل. وهذا ما فعلته. سايرت الجميع وأبديت رغبتي في التعاون معهم وأنني أريد مساعدتهم في تبطيل المخدرات مع أني في داخلي أريد قتلهم جميعا. بعد مرور حوالي شهرين قام أحد المدمنين بادخال كمية من المخدرات. وقال لي فقمت بالتعاطي معه فورا وبدون تفكير لأنني كنت في أشد الحاجة لأي شيء يخرجني من الواقع الصادم الذي كنت أعيشه. بعدها اكتشف الأطباء والمعالجين أننا تعاطينا بداخل المستشفى و قاموا بنقلنا فورا الى قسم "الرعاية النفسي" وقاموا باعطائنا كل واحد الحقنتين المشهورتين: كولبكسول و أكوافيز كنوع من التأديب. الرعاية النفسي تختلف عن الرعاية الادمان بأنها مخصصة للمرضى النفسيين الخطرين مثل الانتحارين وما الى ذالك.ورأيت بعض المدمنين الغير متعاونين مثلي يقومون بكتابة 10 صفحات يوميا من الجرائد واذا لم يفعلوا يتم خصم كل سجائرهم و رأيت ايضا مدمن يدعى عبدالرحمن تقوم الأخصائية (ميادة) باجباره على حفظ القران وتقوم يوميا بتسميعه له!! كان أقذر مكان نمت به على مدى حياتي مع العلم أني مدمن ورأيت الكثير في حياتي وكنت دائما أخاف من المرضى النفسيين لأنك لا يمكن أن تتوقع ما يمكن أن يفعلوه وكما تعرفوا أن ليس عليهم حرج. بعدها بيوم أو اثنين جاءني المعالج وقال لي: أنت شكلك مش عايز تبطل. فقلت له: الصراحة أنا مش هبطل بالطريقة دي أبدا. فتركني وأمر الممرض المسؤول باعطائي دواء جديد اسمه "سافينيز" وهو عبارة عن حبوب لونها بمبي (والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو كيف يحق لشخص لم يدرس الطب بأن يعطي أدوية؟). في البداية كان يعطيني حبتين مع كل وجبة وكان هذا الدواء يخشبني ويجعلني لا أستطيع التركيز أو التفكير و لا النوم و لا الحركة كما يجب. بعد عدة أسابيع وصل بي الحال انني كنت أأخذ ستة حبوب مع كل وجبة (اجمالي 18 حبة يوميا!!) وهذا عدد مهول من هذه المادة المدمرة ولكنني لم أستطع فعل شيء. في بعض الأحيان كنت أحاول عدم بلع الدواء وتركه في فمي تحت لساني أو في سقف حلقي ولكن كان الممرض يفتش فمي جيدا بعد اعطائي الدواء واذا اكتشف أنني أحاوا تخبيته فان العقاب معروف: كولبكسول و أكوافيز. بعد مرور شهر كامل وأنا في الرعاية النفسي وأنا أأخذ السافينيز المدمر جاءني المعالج مرة أخرى و سألني ماذا أريد أن أفعل فأجبته وبلا تردد أنني أريد التبطيل وأنني تعلمت الدرس وأنني سأفعل أي شيء يريده مني. بعدها اكتشفت أنهم يسمون هذا الأسلوب "تكسير الدماغ" و يستخدم مع الحالات التي لا تتعاون معهم.
بعدها بدأ بتقليل السافينيز على مراحل وقام بانزالي الى قسم "د" وهذا القسم يقع تحت الأرض و يدعى "الحفرة" و ليس له أية مخارج وله سور لا يقل علوه عن 30 متر. وبدأت رحلة أخرى ما هي الا عن اللعب بالكلام. و فهمت اللعبة وبدأت أن أسمعهم ما كانوا يريدون السماع مني مثل أنني نادم على ما فعلته في حياتي السابقة وكم أريد أن اتغير وأن امتنع عن المخدرات ...الخ الخ. و كانوا يعملون نشاطين أو ثلاثة في اليوم. في الصباح ما يسمونه التأمل "الميديتاشن" و هو عبارة عن قراءة صفحة من كتاب يدعي "لليوم فقط" و هو مقسم 365 صفحة على أيام السنة. ثم يقومون بعمل ما يسمى بالعلاج الجماعي " الجروب" حيث نجلس جميعا في دائرة و يقوم أحد المعالجين أو الأخصائيين بقيادة الجروب. و يقوم المدمنين في هذا النشاط في الحديث عن مشاكلهم وأحاسيسهم أمام الجميع و يقوم أي أحد بالرد عليهم سواء من المعالج أو الأخصائي أو من المدمنين الأخرين. و تكون هناك جلسات أخرى في غرف مغلقة مع الأخصائي أو المعالج أو الدكتور تستمر لمدة ربع ساعة و عادة يقومون بالطلب منا كتابة أشياء مثل الخسائر التي أحدثتها المخدرات في حياتنا أو أحاسيسنا اليومية و أشياء من هذا القبيل. وبدأوا بتحضيري للخطوة المقبلة التي هي "الهاف واي". أنا عن نفسي مكثت في هذه الستشفى سنة كاملة, ستة أشهر داخل المستشفى بأقسامها و ستة أشهر فيما يدعى "الهاف واي" و هذا مكان مختلف في مبنى بعيد عن المستشفى. و بعد أربعة أشهر من اللعب بالكلام في مبنى "د" قرروا انه ان وقت الهاف واي. و للحديث بقية.

الأربعاء، 6 يناير، 2010

رحلتي المأساوية مع مستشفى الرخاوي 2

في البداية أود أن أشكر جميع الذين شاركوا بتعليقاتهم على أول مقال كتبته. ثانيا أود أن أعبر عن أني لا أهاجم هذه المستشفى لأي غرض سوى أنني أريدهم أن يغيروا من أساليبهم الغير ادمية في العلاج. و أن الموضوع برمته ليس له أي دخل بالشخصيات أو الانتقام. ومن هنا سأكمل قصتي و في هذه المقالة سوف أتحدث أكثر عن أشخاص بعينهم و أحداث رأيتها.
كما قلت من قبل فأنني مكثت سنة كامله في أول مرة ذهبت فيها الى الرخاوي و كانوا يأخذون من أهلي في حدود 6 الاف جنيه في الشهر. و هذا معناه أن علاجي تكلف 72,000 جنيها!! وعندما خرجت عدت الى التعاطي مرة أخرى. وهنا أحب أن أذكر أن الدكتور المسؤول عن الحالة و المعالج و الأخصائي كلهم يقبضون مبلغا شهريا على كل حالة هم يعالجونها. و هذا معناه أن كلما زادت مدة علاج الحالة كلما زادت فلوسهم. فبالتالي طبقا لهذا النظام فهو من مصلحة الجميع أن يمكث المدمن عندهم أكبر مدة ممكنة. وأنني أقسم أنني رأيت حالات مكثت في المستشفى سنة ونصف وسنتان. والسؤال هنا هو ماذا يفعلون بالمدمن كل هذه المدة علما بأن العلاج في أمريكا و أوروبا لا يتعدى الشهر؟؟!! وأنا سمعت معالج في مرة يقول: المدمن في الخارج سيصرف كل هذه الأموال على تجار المخدرات فنحن أولى بهذه الفلوس.
ومن الأخطاء الأخرى التي يرتكبونها بحماقة هو أنهم يعينون معالجين ما هم الا مدمنين بعد أن يخرجوا من المستشفى فورا وأمثال هؤلاء أحمد عمارة ومحمد عبدالعليم وكريم علاء ومصطفى هويدي وأحمد هندي وحسام سامي وغيرهم. وملحوظة هنا أن أحمد عمارة وأحمد هندي ومصطفى هويدي جميعهم عادوا لتعاطي المخدرات بعد أن عملوا كمعالجين!! والسؤال هنا كيف يقوم مدمن بدور معالج ادمان بدون أن يدرس أي شيء عن المرض وبدون أن يحصل على أي شهادة تؤهله بالقيام بهذا الدور؟؟ّ!! ومن السؤول عن مثل هذه الحماقة؟ وكيف يحدث هذا في مستشفى رجل معروف عنه أنه أستاذ أكاديمي و مكث سنين كثيرة من عمره يدرس في كلية الطب قسم علم نفس؟ فاذا كانت الدراسة غير مهمة في العلاج فلماذا اذا يقوم بتدريسها؟ أريدكم جميعا أن تتأملوا معي في كل هذه الأسئله و اجاباتها الغامضة.
ومن الأسئلة المحيرة لي هو كيف يحق لهم بخطف المدمنين من بيوتهم بهذه الطريقة الوحشية؟ اليس المدمن مواطن مصري وله حقوق مثل الاخرين؟ أي قانون يتيح لهم بفعل ذالك وأين رقابة وزارة الصحة على مثل هذه الأفعال؟ أم أن هذا يحدث بدون علم الجهات المعنية أو لأن الأستاذ
الفاضل يحي الرخاوي من الأقوياء في هذا البلد ولا يستطيع أحد بالمساس به؟
انا من هنا أطالب الدكتور يحي الرخاوي وأبنائه المعنيين بالمستشفى والدكتور نبيل القط رئيس وحدة الادمان و المعالجين الكبار أمثال محمد نور وهاني حسن وأحمد صلاح وحسام عمار بالقيام بمراجعة سريعة لأساليبهم العلاجية والقيام بتغيير جذري في النظام العلاجي و أطالبهم باللجوء الى الأماكن العلاجية المحترمة في الخارج للتعلم منهم و تطبيق الأنظمة الحديثة في علاج الادمان. وانني من الأناس المؤمنين بأنه دائما هناك أمل في التغيير ما علينل سوى التواضع والاعتراف بأخطائنا و التعلم منها بطلب المساعدة من ذوي الخبرة.
أأمل أن تأخذ مقالاتي هذه موضع الجد وأن تساهم في تغيير وضع خاطىء ومؤسف بكل المعايير. وأجدد شكري لكل من اهتم بهذا الموضوع.